كنت قد ترددت كثيرا في كتابة مقالا جديدا يعكس حقيقة يوم اهتزت فيه مصر بأكملها يوم تسارعت فيه الأحداث واشتعل فيه الصراع السياسي يوم وضع مصر بالفعل في مفترق الطرق يوم رسم الأمل وأعاد البسمه والنشوة بالفرحه لجموع من المصريين في حين أنه نزعها عن أخرى متمثلة في اليأس والخوف من مستقبل تواجهه فيه مصيرا مجهولا... كنا نتصور أن إستجابة المطالب من قيادات الدوله والنزول على رغبة الجماهير هي بمثابة انتصارا حقيقا لثورة ظنوا أنها قامت لأجل ذلك وهذا ماشعرناه بالفعل منذ ثورة 25 يناير الماضية ويعود الفضل في ذلك توحد تلك الجماهير نحو هدف واحد وهي التخلص من نظام جار على كثير من حقوقهم وتسبب في إفساد الحياة السياسية وقمع الحريات نظام تعمد إقصاء شريحة كبيرة من المجتمع متجاهلا أبسط حقوقهم في نيل حياة كريمة تضمن لهم مستقبل ءامن متجاهلا أيضا حقوقهم السياسية وحرية التعبير عن الرأي وحرية الإنتخاب لمن يرون الأصلح نظام تعمد إغماض عينه وأذنه عن مطالب تلك الجماهير لسنوات طويله حتى خلق بداخلهم كبت الشعور بالظلم متزايدا يوما بعد يوم ومسخرا أجهزة الدولة لحفظ مصالحه والعمل على إبقاءه في السلطه للأبد. بسبب ذلك خرجت تلك الجماهير لتناهض هذا النظام المتسلط الجائر وأخرجت مابداخلها من كبت كالذي نزع عن نفسه رداء الذل والمهانة مرتديا ثوب الحرية الكرامه فانتصرت الثوره نصرا منقطع النظير واعترف بها العالم أجمع ولم يختلفوا عليها ومهدت الطريق أمام مصر لبناء استراتيجية جديده اكثر انفتاحا معهم متفائلين بمستقبل أفضل لمصر ولمصالحهم معها. كنا نأمل أن يستمر هذا الشعب في توحده والحفاظ على ثورته حتى يضع مصر على شاطئ نهضة حقيقة تعمل على إنكار الذات وإعلاء لمصلحة مصر وشعبها العليا وأن نستثمر من خلافاتنا السياسيه توجهات متعدده تسهم في بناء المجتمع ورقية وتفتح مجالا حقيقا في تقارب الأفكار بين فئات الشعب وساسته حتى نجعل من خلافاتنا هدفا واحدا وهو الرقي بمصر سياسيا واقتصاديا وتنمويا.
إلا أن فرحة الشعب بانتصاره في ثورة 25 يناير أنسته الدافع الحقيقي الذي جعلهم يخرجون على النظام وأن ارتداء ثوب الحرية كشف عن عورات كثيرة بين صفوف الشعب وساسته وقيادته متخذين من الحماسة و العاطفه الثوريه ذريعة ليس لإنكار فساد هم ثاروا عليا ءانفا وإنما لإنكار توجهات فكريه ترى في نفسها جزءا من الإصلاح تسعى إليه بطريقتها ورفض مبدأ التشاور والإنصات لتقريب وجهات النظر نحو الإصلاح فتحولت إلى ساحات تقسم الناس فكريا وتنزع عنهم فكرة التوحد شيئا فشيئا فظهر فيهم الحدة في الخلاف وغلبة الذات عن المصلحة العامة حتى تفتت أصواتهم وذهب كل حزب بما لديهم فرحون.
من أجل ذلك لايزال المصريون يدفعون ثمن غياب التوحد فيهم ويدفعون ثمن تفتت أصواتهم منذ انتخابات البرلمان الأول والإنتخابات الرئاسية ومجلس الشوري واضطر البعض منهم أن يعصر على نفسه ليمون من الخروج من أزمة الخلاف بأقل الخسائر في انتخاب أول رئيس مدني ديمقراطيا.
كنا نظن أن المصريين سيتعلمون من الدرس وسيساهمون في الحفاظ على ثورتهم منذ 25 يناير وأن يبدأو في اتخاذ خطوات جدية لتحقيق أهداف الثورة التي طال انتظارها ومحاكمة النظام محاكمة عادله. إلا أن فكر الدولة العميقة في مصر كان لها رأيا اخر. فنظام مبارك قد يكون رحل بالفعل متمثلا في شخصه وإدارته العليا وحكومته إلا أن هذا النظام أبقى على رجاله ممن لهم نفوذ المال ونفوذ في صنع القرار السياسي والنفوذ في إرباك المشهد السياسي في مصر إلى الان مستغلين حالة عدم الإستقرار في البلاد وإحداث الفوضى بها لإستثمار الوقيعة بين الشعب ونفسه تارة وبينه وبين الجيش تارة أخرى فيتسللوا من جديد شيئا فشئيا نحو السلطه لاستعادة ماخسروه وهذا ماتم بالفعل.